|
|||
|
ملخص الخطبة | |||
|
1- مؤامرة قريش لقتل الرسول ليلة الهجرة. 2- نجاة الرسول من المؤامرة. 3- تضحية علي ونومه في فراش النبي. 4- رسول الله وصاحبه في غار ثور. 5- سراقة بن مالك يلحق برسول الله ليقتله. 6- رسول الله يبارك شاة أم معبد. 7-استقبال الأنصار للرسول. 8- التأريخ بالهجرة. | |||
|
الخطبة الأولى | |||
|
| |||
|
أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، فبتقوى الله ـ عز وجل ـ تجتمع الكلمة، وتتم النعمة، وتتجلى الحكمة. أيها المسلمون، إن في دنيا الناس، ذكريات لا يمل حديثها، ولا تسأم سيرتها، بل قد تحلو أو تعلو إذا أعيدت وتكررت، كما يحلو مذاق الشهد وهو يكرر، ومن الذكريات التي لا يمل حديثها، ولا تسأم سيرتها، حياة محمد عباد الله، إننا هنا، نعرض لمحات من هجرة المصطفى أيها المسلمون، لما رأى المشركون أصحاب رسول الله وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش، يتطلعون من صِيْر[2] الباب ويرصدونه، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله ولما يئس المشركون من الظفر بهما، جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منها مائة ناقة بدل كل واحد منها، فجدّ الناس في الطلب، فلما مروا بحي مدلج، بصر بهم سراقة بن مالك فركب جواده وسار في طلبهم، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي ومر رسول الله وقد كان بلغ الأنصار مخرجه بذلك كله ـ أيها المسلمون ـ يتضح موقف هو أعظم المواقف، التي وقفها رسول الله أيها الناس، بمثل هذه السيرة العطرة، تتجلى الخواطر، لننهل منها دروسا عظيمة، عميقة الدلالة، دقيقة المغزى، بعيدة الأثر في نفوس الكرام من أبناء الملة. ومن واجب المسلمين أن يحسنوا الانتفاع بها، عن طريق التذكر المفضي إلى العمل بها: ولعل من أبرز الدروس المستقاة من حادث الهجرة، هو أن صاحب الدين القويم والعقيدة الصحيحة، ينبغي ألا يساوم فيها، أو يحيد عنها، بل إنه يجاهد من أجلها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإنه ليستهين بالشدائد والمصاعب – تعترض طريقه عن يمين وشمال – ولكنه في الوقت نفسه، لا يصبر على الذل يناله، ولا يرضى بالخدش يلحق دعوته وعقيدته. ويلوح لنا في حادث الهجرة خاطر آخر، يتعلق بالصداقة والصحبة، فالإنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يعيش وحيدا منفردا، بل لابد من الصديق يلاقيه؛ ويناجيه ويواسيه، يشاركه مسرته، ويشاطره مساءته. وقد تتجلى هذه الصداقة والصحبة في تلك الرابطة العميقة، التي ربطت بين الرسول لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر، تقوم لعرضٍ أو لغرض، وتنهض على رياء أو نفاق، إلا من رحم الله، والأمة المسلمة اليوم أحوج ما تكون على عصبة أهل الخير، التي تتصادق في الله، وتتناصر على تأييد الحق، وتتعاون على البري والتقوى وخاطر ثالث يتجلى من ذكر هذه الحادثة، وهو أن الله ينصر من ينصره، ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به ويلوذ بحماه، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن المخلص، الموقن بما عند الله، حين تنقطع به الأسباب، وحين يخذله الناس، وبعض الأغرار الجهلاء يرون مثل ذلك فرارا وانكسارا، ولكنه - في الحقيقة - كان عزا من الله وانتصارا: وخاطر رابع؛ يشير إلى أن الشباب إذا نبتوا في بيئة الصلاح والتقوى، نشؤوا على العمل الصالح، والسعي الحميد، والتصرف المجيد، والشباب المسلمون إذا رضعوا رحيق التربية الدينية الكريمة، كان لهم في مواطن البطولة والمجد، أخبار وذكريات. فعلي بن أبي طالب أيها المسلمون، هكذا تعطينا الهجرة اليوم ما يعظنا في حاضرنا، وينفعنا في أولانا وأخرانا، وهناك اليوم في أرجاء المعمورة إخوان لنا مهاجرون مسلمون، أرغموا على ترك ديارهم وأوطانهم، بعد أن فعل بهم الكفرة الأفاعيل، وبعد أن تربصوا بهم الدوائر، ووقفوا لدعوة النور في كل مرصد، يقطعون عليها الطريق، ويعذبون أهلها العذاب الشديد، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله، فهاجروا كرها، وأخرجوا كرها، فهم يهاجرون من موطن لآخر، إقامة لدين مضطهد، وحق مسلوب في فلسطين، وفي البوسنة والهرسك، وفي كشمير، وإريتريا، وغيرها من بلاد المسلمين. فاتقوا الله أيها المسلمون، وقفوا وقفة المهاجر بنفسه، وإن لم يهاجر بحسه، فلنهاجر إلى الله ـ تعالى ـ بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا ولنلجأ إلى الله ليكون ناصرنا ومؤيدنا
[1] أخرجه البخاري ح (2138). [2] الصِّيْر : شَقّ الباب (القاموس، مادة صير). [3] أخرجه البخاري ح (4663) ، ومسلم ح (2381). [4] أخرجه البخاري ح (3615) ، ومسلم ح (2009). [5] انظر قصة أم معبد في معجم الطبراني الكبير ح (3605) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/58) : وفي إسناده جماعة لم أعرفهم. وأخرجه الحاكم في المستدرك (3/9-10) وقال : صحيح الإسناد. قال الذهبي: ما في هذه الطرق شيء على شرط الصحيح. لكن للقصة شواهد تقويها ، ولذلك حسنها الألباني ، انظر : فقه السيرة للغزالي بتعليق الألباني ص 168 حاشية (1). [6] أخرجها البخاري ح (3906) في قصة طويلة.
| |||
|
الخطبة الثانية | |||
|
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على طريقه إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس، لقد كان ابتداء التاريخ الإسلامي الهجري، منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فعلينا جميعا أيها المسلمون، أن نأخذ بالتاريخ الهجري، فأعداء الله حريصون على أن يمسخوا الأمة المسلمة في كل شؤونها، حتى في تسمية الشهور والأعوام وإن استبدال تاريخ الكفار بالتاريخ الهجري عدول عن الطريق السوي، والمسلك القويم، وتشبه بالكفرة والمشركين، والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة، على وجه المسارقة والتدريج الخفي، والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن؛ فتكون محرمة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه ـ رحمه الله ـ. هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية، وأزكى البشرية...
| |||


