|
لخص الخطبة |
|
1- الأمر بمخالفة الأمم السابقة. 2- الرشوة من صفات اليهود. 3- فتنة المال. 4- مفاسد الرشوة. 5- ذم الرشوة. 6- بين الهدية والرشوة. 7- خطر انتشار الرشوة. 8- التحذير من تسمية الرشوة بغير اسمها. |
|
|
|
الخطبة الأولى |
|
|
|
أما بعد: فيا أيها الناس، الخير كله والصلاح والفلاح في تقوى الله، عباد الله، أعاد القرآن وكرر من الأمر بمخالفة الأمم السابقة، وأمرنا أن لا نسلك ما سلكوا فنهلك كما هلكوا، وقال عباد الله، إن فيما قصه الله علينا في كتابه من أخبار الماضين في معرض الذم لهم والإنكار عليهم ما يحمل أرباب العقول على اجتناب طريقهم والبعد عن مسالكهم. وإن مما أخبرنا الله سبحانه من صفات اليهود أنهم كانوا أكالين للسحت فيما بينهم: عباد الله، إن المال فتنه أي فتنة، وإن الإنسان متى فتح لنفسه باب شرٍ من طريقه فلن يغلق. ألا وإن من طرق أكل المال الحرام ما جاء في قوله تعالى: الرشوة ـ عباد الله ـ مرض فتاك يفسد الأخلاق، ويسري في الأمة حتى يوردها موارد التلف، ما خالطت الرشوة عملاً إلا أفسدته، ولا نظامًا إلا قلبته، ولا قلبًا إلا أظلمته، ما فشت الرشوة في أمةٍ إلا وحل فيها الغش محل النصح، والخيانة محل الأمانة، والخوف جاء بدل الأمن، والظلم بدل العدل. الرشوة ـ أيها الناس ـ مهدرة الحقوق، معطِّلة للمصالح، مجرَأَة للظلمة والمفسدين، ما فشت في مجتمع إلا وآذنت بهلاكه، تساعد على الإثم والعدوان، تقدم السفيه الخامل، وتبعد المجد العامل، تجعل الحق باطلاً والباطل حقًا، كم ضيّعت الرشوة من حقوق، وكم أهدرت من كرامة، وكم رفعت من لئيم وأهانت من كريم. الرشوة ـ أيها الناس ـ نقص في الديانة، وضياع للأمانة، وعلامة على الخيانة، انتشرت الرشوة بين اليهود فكانت أمتهم تعيش بالمحاباة والرشا في الأحكام، ففسدت بينها أمور المعاملات، وكذلك استبدلت الطمع بالعفة. كان اليهود ورؤساؤهم أكالين للسحت من رشوة وغيرها من الدناءات، كما هو دأب الأمم في عهود فسادها وأزمان انحطاطها، وما كان عليه أسلافهم في الماضي فهم عليه اليوم، ما تسقط شركة من شركات يهود إلا وفضائح الرشوة تلاحقها، بل ما يزول حاكم من حكامهم إلا وأول تهمة توجه إليه هي أخذه للرشوة ومحاباته لغيره. عباد الله، الرشوة ملعون صاحبها على لسان رسول الله ولما بعث رسول الله عباد الله، الهدية مندوب إليها، بل لقد قال رسول الله إذا أتت الهديّـة دار قومٍ تطايرت الأمانة من كواها روى البخاري في صحيحه عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي أيها الناس، إن وجود الرشوة وانتشارها في قوم مؤذن بخطر عظيم، فقد روى الإمام أحمد وأبو عبيد وابن أبي الدنيا وصححه الحافظ ابن حجر عن عُليم قال: كنت مع عابس الغافري على سطح، فرأى قومًا يتحملون من الطاعون ـ أي: يتوجّعون ـ فقال: ما لهؤلاء يتحمّلون من الطاعون؟ يا طاعون خذني إليك، يا طاعون خذني إليك، فقال له أحد الصحابة: لِمَ تتمنَّى الموت وقد سمعت رسول الله فاتقوا الله عباد الله، واعتبروا بمن مضى قبلكم من الأمم المحادّة لله والمعتدية على حدود الله، كيف حلت بهم نقمة الله، وكيف توعد الله من سلك سبيلهم واجترأ على معاصي الله. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
|
|
الخطبة الثانية |
|
الحمد لله الذي جعل لنا في الحلال غنيةً عن الحرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد من اتقاه أن يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، فله الحمد يهدي إلى الرشد ويعِد بالرزق ويفيض النعم ويدفع النقم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المأمور بأكل الطيبات والعمل بالصالحات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فيا أيها الناس، قاعدة عظيمة ينبغي لكل مؤمن أن يجعلها نصب عينيه في كلّ عمل يعمله، يقول الرسول عباد الله، إن تفنُّن الناس في تسمية الرشوة بغير اسمها لا يخرجها عن حكمها، سمَّوها بغير اسمها، ولقّبوها بألقاب تخدع السذج من الناس وتسرّ الغششة، حتى انتشرت الرشوة بينهم انتشار النار في يابس الحطب، حتى أفسدت كثيرًا من الذمم، الطالب يعطي أستاذَه، الموظَّف يهدي إلى مديره، صاحب الحاجة يقيم مأدبة لمن هو محتاج إليه، في صوَر أفسدت العمال على أصحاب العمل، يجعلون الخدمة لمن يدفع أكثر، ومن لا يدفع فلا حول لهم ولا قوة، لا يجد الإنسان أمامه إلا نفوسًا منهومة وقلوبًا منكّسة، ولو كانوا صادقين في إباحة ما أخذوا ما بالهم لا يعلنونه أمام الملأ؟! أيها الناس، إن من قصور النظر أن يظن أن الرشوة لا تعدو أن تكون مالاً يتبرّع به شخص لآخر، إن كل منفعة كائنة ما كانت بذلت لجلب منفعة أخرى بغير حقّ فهي داخلة في الرشوة، ألم تروا إلى اليهود يقول الرسول فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في سركم وعلانيتكم. وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، فقد قال سبحانه: موقع المنبر |


